ابن عساكر
مقدمة ب
معجم الشيوخ
وقفل راجعا إلى دمشق ليلقي فيها عصا الترحال ، وليقف حياته لمتابعة العلم الذي ملك عليه نفسه ، وللتدريس والتأليف ، وشرع في عمله وما نصب له نفسه ثمانية وثلاثين عاما دون توقف حتى وافاه اليقين . سئل عنه ابنه القاسم فقال : « لم يشتغل منذ أربعين سنة إلا بالجمع والتصنيف والمطالعة والتسميع حتى في نزهه وخلواته » « 1 » . وقد بهر علماء عصره بسعة حفظه وغزارة معارفه ، وأدهشهم بكثرة تأليفه وتنوعها « 2 » . على أن الغالب على الإمام الحافظ الحديث والتاريخ . ويأتي كتابه الخالد على الدهر « تاريخ مدينة دمشق ، وذكر فضلها ، وتسمية من حلّها من الأماثل ، أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها » مثلا حيّا على قدرة الإمام الحافظ الخارقة ، وبعد همته ، وتفوقه في علمي الحديث والتاريخ . فالكتاب ثمانون مجلدة أحاط بالمادة التي تصدّى لجمعها إحاطة السوار بالمعصم ، واستوعب موضوعاته فما يكاد يغادر منها شيئا ، وقد أثنى عليه العلماء قديما وحديثا أجمل الثناء . يقول ابن خلكان : « صنّف التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلدة أتى فيه بالعجائب » « 3 » . وينهض مجمع اللغة العربية بدمشق بطبع الكتاب ، وقد أصدر منه ثلاثا وعشرين مجلدة . وإننا لنرجو أن نوفق لإسراع الخطا كي ننجز طبع هذا الكتاب العظيم و « عند الصّباح يحمد القوم السّرى » « 4 » .
--> ( 1 ) معجم الأدباء 4 : 1702 ( ط . الدكتور إحسان عباس ) . ( 2 ) بلغ بها الدكتور كوركيس عواد ثلاثة وتسعين ومائة مؤلف ، وقد أشار الدكتور كوركيس نفسه أن ثمة أسماء مكررة للكتاب الواحد ، كذلك فإن كثيرا من هذه الكتب إنما هي أجزاء صغيرة ( ابن عساكر في ذكرى مرور تسع مائة سنة على ولادته / جزء المحاضرات ، ص 421 - 474 ) . ( 3 ) وفيات الأعيان 3 : 310 . ( 4 ) ظهرت طبعة لكتاب تاريخ مدينة دمشق ضعيفة التحقيق ، كما ظهرت مجلدات متفرقة ، -